إصلاح القضاء في المغرب و الأركان المظلمة المسكوت عنها

مجاهدي جلال
جلال مجاهدي  : قا  ضي سابق

إصلاح القضاء بالمغرب , عرف تجاذبات و حوارات و فتحت له أوراش و ما إلى ذلك , إلا أن هذه الحوارات و الأوراش كانت تدار من طرف وزارة العدل الوصية على القطاع و تحت إشرافها مما عكس نظرتها للأمور وغيب التطرق إلى مساهمتها في الاختلالات التي يعانيها قطاع العدالة و كانت نتيجة هذه الأوراش أنها غيبت مجموعة من الاعتبارات الحاسمة لاصلاح قطاع العدل و التي تتمحور حول القاضي كإنسان و كمهني .
من بين أهم النقاط التي تم تغييبها هي التي تتعلق بظروف عمل القضاة ,هذا المشكل لا تحب وزارة العدل التحدث عنه لأنه يرمي بالمسؤولية عن فشل الاصلاح في مرماها , فعدد القضاة في المغرب لا يتجاوز 3500 قاض أغلبهم موزعين على مختلف محاكم المغرب ,و إذا استثنينا قضاة النيابة العامة الذين يمثلون ما يقارب الثلث , فإن عدد قضاة الأحكام قليل جدا مقارنة بالعدد المهول للقضايا الرائجة التي تنتظر طورها للبت فيها , قضاة الحكم يعانون في صمت , يشتغلون داخل المحاكم ثم يحملون معهم الملفات لبيوتهم , يعملون ليلا و نهارا و أيام السبت و الأحد و العطل لتدارك الخصاص في العدد الذي تعاني منه المحاكم , الحل الذي تتبناه وزارة العدل لسد هذا الخصاص هو على حساب صحتهم الجسدية و النفسية و على حساب الوقت الواجب تخصيصه لعائلاتهم و لذويهم
تحقيق العدالة يقتضي أن يعطى لكل ملف وقته و حقه في الدرس , هذا العنصر غائب , فقاضي الحكم وأمام الاكراه المتمثل في عدد الملفات التي تنتظر دورها للبت فيها , يقسم وقته فيما بينها و هو بالتالي لا يعطي للملفات الاهتمام و الوقت الذي يتوجب لدراستها , مما يعرض حقوق المتقاضين للضياع
المسؤولين القضائيين بالمحاكم يعلمون بأن بقاءهم فوق كرسي المسؤولية و الاستفادة من بعض الامتيازات رهين بعدد الملفات المحكومة في المحاكم التي تكون تحت إشرافهم, و وزارة العدل الوصية على القطاع لا تطالبهم إلا بالعدد و الكم ,فعمل المسؤول القضائي يوزن بميزان العدد و لذلك فإن هؤلاء المسؤولين يقومون بالضغط على القضاة لزيادة ما يسمونه الانتاج , و أمام الكم الهائل من الملفات يفتقد الكيف في مواجهة الكم و تفتقد العدالة في العديد من الأحيان
ينضاف إلى ما ذكر أنه في السنين الأخيرة , زادت وزارة العدل معيارا جديدا و هو الإسراع في البت في الملفات وذلك من أجل التغلب على مشكل التأخير في إصدار الاحكام , مما زاد من عدد القضايا و هو ما كان له تأثير كبير على نوعية الاحكام الصادرة
رداءة الاحكام وضياع الحقوق قد يرجع أيضا إلى رعونة وزارة العدل الوصية على المجلس الاعلى للقضاء حين تقوم بنقل و تعيين القضاة في محاكم جديدة , أعضاء المجلس لا ينظرون إلى الحركات الانتقالية إلا بمنظور عددي فقط أي بمنظور المناصب الشاغرة و لا يتحرجون عندما يقومون بنقل قاض من المحاكم العادية إلى المختصة أو العكس أو من النيابة العامة لقضاء الحكم أو العكس , هذه الرعونة في تدبير الحركات الانتقالية , هي جرائم في حق التجربة و الكفاءة المهنية التي اكتسبها هذا القاضي طوال سنين في مادة معينة مما ينعكس سلبا على نفسيته و على مردوديته و على نوعية العدالة , و كمثال على ذلك فهناك قضاة أمضوا عشرين سنة في النيابة العامة ليجدوا أنفسهم مكلفين بالقضايا العقارية أو المدنية التي تحتاج إلماما و تمرسا و تجربة و هو المعطى الذي أثر في العديد من الحالات على حقوق المتقاضين
رداءة العدالة و الاحكام و ضياع الحقوق قد يرجع أيضا إلى التعيين الداخلي على مستوى المحاكم فالمسؤول القضائي كما جرت العادة يمارس ديكتاتوريته في الجمع العام السنوي الذي دائما يبقى شكليا ,حيث يقوم و بدون إشراك للقضاة أو أخذ رأيهم بتعيينهم بجلسات معينة و يحدث في أحيان عديدة أن يستبعد قضاة متميزين و متمرسين في مواد قانونية معينة من الاشتغال في تلك المواد و تكليفهم بمواد أخرى قد لا يفقهون فيها شيئا و الادهى من ذلك ما يحدث في جميع محاكم الاستئناف حيث يتم تعيين قضاة في مواد جديدة ليس لهم إلمام و لا تجربة بخصوصها ليقوموا بالنظر في أحكام قضاة المحاكم الابتدائية الذين في غالب الاحيان قد أمضوا سنين عديدة في التعاطي مع المادة القانونية و قضاياها و هو ما لا يمكن وصفه سوى بالرعونة و العبث
الافراط في الهرمية الادارية بجعل مستقبل القاضي المهني و ترقيته رهين بتنقيط مسؤوله المباشر و نظريته عنه , هو ما يكرس ثقافة الإذعان و الانصياع و يرسخ الخوف في نفسية القضاة و انعدام الشعور بالأمن على مستقبلهم الوظيفي , هذه الهرمية الشاذة تجعل القضاة في خوف دائم من سطوة و انتقام مسؤوليهم القضائيين , لذلك فإن مخالفة التعليمات و الاوامر الفوقية هو أمر مستبعد لديهم بالنظر لعلمهم بان ذلك يعرضهم لانتقامهم , الوزارة الوصية على تصريف الاعمال القضائية تختار العناصر الطيعة لتعيينها في مناصب المسؤولية و الذين سبق لهم و أن أتبتوا لها انصياعهم التام لتعليماتها عندما كانوا قضاة و بذلك تضمن تمرير جميع الاوامر و التحكم في الدواليب القضائية , لذلك فإن عامة الأحكام و القرارات التي لها صلة بما هو سياسي و حقوقي تتحكم فيها اعتبارات أخرى و لا أدل على ذلك من حالة تأخير النظر في الملف الذي توبعت فيه ابنة مؤسس جماعة العدل و الاحسان نادية ياسين إلى أجل غير مسمى منذ ما يقارب عقد من الزمن دون إصدار حكم بشأنه , علما أن هذا الفعل يدخل في إطار القانون الجنائي حيث يكيف بإنكار العدالة و يعرض القاضي للمسؤولية الجنائية , مثل هذه الظواهر القضائية الشاذة هو ما يعمم انعدام الثقة في المشهد القضائي و يعطي نظرة سلبية عن القضاء بالمغرب
انعدام تحصين القاضي واقعيا ضدا على ما تكرسه النصوص و امكانية تعرضه للمتابعات التأديبية بعبارات فلسفية واسعة كالإخلال بمبادئ الشرف و الوقار و التحفظ و الأخلاق و ما إلى ذلك من مصطلحات تعويمية تقبل الشيء و نقيضه و عدم احترام المتدخلين في المساطر التأديبية لإجراءات المحاكمة العادلة مرورا بالمفتشين و المقررين و أعضاء المجلس الاعلى للقضاء يمرر خطاب التخويف في صفوف القضاة مما ينعكس سلبا على أدائهم المهني , فالقاضي الذي يرى مستقبله القضائي عرضة لتعسفات المذكورين آنفا دون إمكانية تجريحهم أو الدفاع عن نفسه كما يجب , لن يمتلك الشجاعة لإصدار الاحكام و القرارات وفق ما يمليه عليه ضميره بل يأخذ بعين الاعتبار إمكانية متابعته لهذه الاعتبارات و كأمثلة على ذلك نسوق حالة القاضي الذي عزل في دورة 2011 دون تمكينه من أجل الثمانية أيام المنصوص عليها في النظام الأساسي لرجال القضاء حيث لم يمنح هذا القاضي الذي عزل غيابيا سوى يوم واحد للمثول أمام المجلس و الذي ترفض وزارة العدل تمكينه من نسخ ملفه إلى غاية يومه و حالات غنية عن التعريف كحالة القاضي عادل فتحي و القاضي محمد عنبر و القاضي محمد الهيني و القاضي محمد قنديل و حالات أخرى
إصلاح القضاء يتمحور حول محور العدالة و هو القاضي , هذا القاضي الإنسان و المهني لا يمكن مطالبته بتحقيق العدل بإصدار أحكام عادلة ذات صياغة نوعية و هو يرى نفسه قد صودر وقته باشتغاله لساعات إضافية طويلة دون مقابل أو حتى عرفان و هو يرى نفسه قد صودرت تجربته و كفاءته و مؤهلاته التي صقلها لسنين عديدة ليكلف بالنظر في مواد قانونية جديدة لم يمارسها من قبل و هو يرى نفسه قد صودرت منه استقلاليته و شجاعته في اتخاد القرارات
الحديث عن اصلاح القضاء دون التحلي بالصراحة اللازمة و دون الالتفات الجدي إلى القاضي الانسان و المهني كمحور لمنظومة العدالة ككل لا يعتد به و لا ينتظر منه أي تقدم في مسلسل الإصلاح الذي لا ينتهي

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

shop giày nữthời trang f5Responsive WordPress Themenha cap 4 nong thongiay cao gotgiay nu 2015mau biet thu deptoc dephouse beautifulgiay the thao nugiay luoi nutạp chí phụ nữhardware resourcesshop giày lườithời trang nam hàn quốcgiày hàn quốcgiày nam 2015shop giày onlineáo sơ mi hàn quốcf5 fashionshop thời trang nam nữdiễn đàn người tiêu dùngdiễn đàn thời tranggiày thể thao nữ hcm