أشباه المثقفين

 %d8%ab%d9%82%d8%a7%d9%81%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b5%d9%84%d8%ad%d8%a9

مقالة رائعة عن المجلة الالكترونية البديل لكاتبها جلال الشايب 
المثقفون فى البلدان المتحضرة هم القيادة الطبيعية للمجتمع‏، لأنهم يملكون قدرات وأدوات تجعلهم الأقدر على فهم ونقد وتحليل الواقع ومشكلاته‏. ويختلف تعريف كلمة “مثقف” من عصر إلى آخر ومن مفكر إلى آخر، وأفضل تعريف صادفته لتلك الكلمة – من وجهة نظرى – كان للمفكر الكبير الدكتور زكى نجيب محمود، إذ يقول فى كتابه هموم المثقفين: “إن المثقف هو إنسان بضاعته أفكار، سواء أكانت تلك الأفكار من إبداعه هو أم كانت منقولة عن سواه، ولكنه آمن بها إيمانا أقنعه بأن يحياها، ثم لا يقتصر بأن يحياها هو بشخصه، بل يريد أن يقنع بها الآخرين ليحيوها معه، والأرجح أن تكون هذه الأفكار من الصنف الذى يغير الناس نحو ما يظن أنه الأفضل”.

إن الديمقراطية‏ وحقوق الإنسان‏ والدعوة إلى الإصلاح السياسى والاقتصادى والثقافى ونقد سلبيات المجتمع، كلها من القضايا الأساسية التى يجب أن يضعها المثقف على رأس أولوياته‏، ودوره الطبيعى أن يكون داعية لحرية الرأى والتعبير والاعتقاد ومدافعا عن حقوق المظلومين والمهمشين والأقليات فى المجتمع‏،‏ وإن لم يفعل ذلك يصبح مقصرا فى أهم واجب من واجباته تجاه وطنه.

وإلى جانب هذا المثقف، الذى يمكن أن نسميه المثقف المستنير، هناك ثلاثة أنواع من أشباه المثقفين، لا أعتبرهم من المثقفين بناء على التعريف السابق، ولكن الكثير من العامة يعتبرونهم من المثقفين، نتيجة لانتشار الجهل والأمية الثقافية فى المجتمع، وهذه الأنواع الثلاثة هى:

= النوع الأول هو المثقف الحرباء، وهو شخص غزير المعلومات، موسوعي الثقافة، حاصل على أعلى الشهادات الجامعية، ويملك بالفعل رؤية ثقافية ولكنها رؤية ذاتية وليست إنسانية، متلونة بحسب الأحوال، يعرض قلمه وأفكاره وكأنها بضاعة تخضع للعرض والطلب، وهو شخص متلون مثل الحرباء مستعد لتغيير مبادئه فى أى وقت، ويغير مواقفه وقناعاته بنفس السهولة والبساطة التى يغير بها أحذيته، لذلك فهو أنانى، غارق فى النرجسية، يعمل على أن يظل فى الواجهة دائما حتى لو كان ذلك على حساب مصلحة وطنه.
والمثقف الحرباء، سواء كان إعلاميا أو كاتبا صحفيا أو أستاذا جامعيا..، يستخدم مواهبه وقدراته الذهنية لتحقيق مصلحته الشخصية فقط، ويضع فكره وثقافته سلعة فى السوق الحرة لمن يدفع أكثر‏، ويجد دائما مبرراته فى تفسير انتهازيته بأن ظروف المرحلة تتطلب ذلك. ويعتبر المثقف الحرباء فى مقدمة الوسائل التى يستخدمها الحاكم المستبد فى ترويج أيديولوجيته ومواقفه السياسية، لو كان نظام الحكم فى البلد اشتراكيا، تصطبغ رؤية المثقف المتلون بصبغة يسارية اشتراكية، يتحمس لأفكار ماركس ولينين ويؤيد التجربة السوفيتية، ويلقي محاضرات ويكتب مؤلفات فى حتمية التحول الاشتراكى وضرورته التاريخية، ولو تغير نظام الحكم وأصبح رأسماليا، تتغير على الفور رؤية المثقف الحرباء لتصبح ليبرالية رأسمالية، ينادى بحرية السوق ويدافع عن الاقتصاد الحر، ويصبح من أشد انصار الخصخصة ويشن حملة ضارية ضد القطاع العام والأفكار الشمولية عموما، فالمثقف الحرباء لا يثبت على حال، وهو صوت سيده فى كل مكان وزمان.

= والنوع الثاني من أشباه المثقفين هو المثقف الفضائى، وهو شخص يمتلك معلومات غزيرة فى موضوعات عديدة مختلفة مثل النوع الأول، لكنه لا يمتلك رؤية ثقافية من أى نوع، يقال عنه بالعامية “حافظ مش فاهم”، وهذا النوع يظهر كثيرا فى القنوات الفضائية المختلفة، الحكومية أو الخاصة، وتتم استضافته فى كل المناسبات: الوطنية، والدينية، والسياسية، والاجتماعية، ويستعمل ثقافته فى المديح والثناء أو فى الذم والقدح حسبما تقتضى المناسبة،
وعادة ما يسبق اسمه لقب “الخبير الاستراتيجى”. يرتدى المثقف الفضائى دائما بدلة كاملة ورابطة عنق ليبدو أنيقا ووقورا، لا يتكلم ببساطة وتلقائية مثل عوام الناس، فهو خبير استراتيجى، يبدو منهكا من فرط الثقافة، فيجب أن يشعر المشاهدون أنه يبذل مجهودا عقليا جبارا لكى يبسط لهم النظريات العلمية المعقدة التى يعرفها، تجده بعد كل أربع أو خمس جمل باللغة العربية، ينطق لفظا إنجليزيا ثم يسرع بترجمته إلى العربية حتى يشعر من يشاهده أن الكلمات الإنجليزية تفلت منك رغما عنه بسبب ثقافتة الأجنبية الموسوعية.
يستشهد المثقف الفضائى بالصحف الأجنبية، الجارديان أو النيويورك تايمز، ويقول ما يشاء فلن يفتش أحد وراءه أبدا، ويستعمل أسماء لمؤلفين أجانب ليبث الرهبة فى قلوب مستمعيه وفى قلب المذيعة نفسها، فسوف تهز المسكينة رأسها مؤمنة على كلامه وسيبدو الانبهار على وجهها الجميل، ولن يتساءل أحد أبدا إذا كان هناك مفكر بهذا الاسم أم لا، والمثقف الفضائى يعرف نفسه جيدا قبل غيره، ويدرك أنه فى نهاية المطاف سيركن جانبا مثل أى متقاعد بائس، عندما يمل الناس من ظهوره ويحل آخر مكانه، لذا يسرع بأقصى ما يستطيع للتواجد بكثرة فى الفضائيات قبل أن ينطفئ بريقه.

= والنوع الثالث من أشباه المثقفين هو المثقف الببغاء، وهو شخص بسيط الحال، يرتدي عادة ملابس بسيطة، قميص كاجوال وبنطلون جينز أزرق دائب ويضع كوفية فلسطينية حول رقبته، ناقم على المجتمع بشدة، ويرى أن سوء أحوال البلد هو السبب الوحيد فى تأخر ظهور موهبته، رغم أنه فى الواقع محدود الموهبة، معدوم الثقافة، جاهل لا يملك أى قدر من المعرفة، لا يقرأ سوى الصحف، وغالبا ما يكون قد فشل فى التعليم أو لم يكمل دراسته الجامعية. والمثقف الببغاء لا يملك رؤية ثقافية من أى نوع، ولكن ما يضمه إلى أشباه المثقفين هو أنه يستخدم فى كلامه وأحاديثه بعض الألفاظ الشائعة فى الوسط الثقافى مثل: إشكالية الثقافة، نظرية التناص، وبعض المصطلحات التى تبدأ بكلمة “ما بعد” مثل: ما بعد الحداثة، ما بعد البنيوية، قد يكون سمعها من بعض الكتاب والمفكرين فى التليفزيون أو فى بعض ندوات معرض الكتاب، يرددها كثيرا على لسانه مثل الببغاء وغالبا بدون أن يعرف أصلها أو السياق الذى يجب أن تقال فيه. أغلب عبارات المثقف الببغاء هى أكليشيهات محفوظة من نوعية “الدين أفيون الشعوب”، وأحيانا يقول تلك العبارات بشكل معكوس، كأن يقول مثلا: “العملة الجيدة تطرد العملة الرديئة”، رغم أن العكس هو الصحيح، ويحرص على نطق بعض الحروف التى تعطى للمستمع إيحاء بأنه يجيد التحدث بالفصحى، مثل حرفى الثاء والقاف، وتجد هذا النوع من أشباه المثقفين منتشرا بكثرة فى المقاهى الثقافية والندوات التى تقيمها وزارة الثقافة، يحرص على الكلام بشدة وأحيانا يختطف الميكروفون ليتحدث، لن يقول شيئا، ولن يضيف جديدا، لكن هذا ليس المهم، فالغرض فقط من حديثه هو الظهور.
للآسف، هذه الأنواع الثلاثة من أشباه المثقفين، أكثر انتشارا فى المجتمعات المتخلفة من المثقف المستنير، فبحسب قانون جريشام فى الاقتصاد بصيغته الصحيحة: “العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة”، يؤدى تزايد أعداد الغوغاء من أشباه المثقفين إلى ترك المثقفين المستنيرين أماكنهم ومكانتهم لهؤلاء الغوغاء، حيث يشعرون بالإحباط والاكتئاب ويتجهون إلى ترك الساحة لهم. إنها قاعدة سارية المفعول فى الاقتصاد وفى الحياة بأسرها.

= جلال الشايب =

المثقفون فى البلدان المتحضرة هم القيادة الطبيعية للمجتمع‏، لأنهم يملكون قدرات وأدوات تجعلهم الأقدر على فهم ونقد وتحليل الواقع ومشكلاته‏. ويختلف تعريف كلمة “مثقف” من عصر إلى آخر ومن مفكر إلى آخر، وأفضل تعريف صادفته لتلك الكلمة – من وجهة نظرى – كان للمفكر الكبير الدكتور زكى نجيب محمود، إذ يقول فى كتاب…
ELBADIL.COM

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

shop giày nữthời trang f5Responsive WordPress Themenha cap 4 nong thongiay cao gotgiay nu 2015mau biet thu deptoc dephouse beautifulgiay the thao nugiay luoi nutạp chí phụ nữhardware resourcesshop giày lườithời trang nam hàn quốcgiày hàn quốcgiày nam 2015shop giày onlineáo sơ mi hàn quốcf5 fashionshop thời trang nam nữdiễn đàn người tiêu dùngdiễn đàn thời tranggiày thể thao nữ hcm